ماذا حدث للدنيا ؟!!



ماذا حدث للدنيا ؟!! و لماذا يصرخ المغنون.. و لماذا يتشنج الراقصون ؟! و لماذا هذه الإيقاعات المزعجة و الموسيقى النحاسية التي تخرق الآذان ؟!

هذه الأمور تفصح عن فقر فني.. و ذوق فاسد.. و بلادة سمعية.. ما ضرورتها لصوت جميل بالفعل ؟!

و هذا التسويق الفج.. ما الداعي إليه.. لولا سوء البضاعة و رخص الموهبة ؟.. و اضحكوا معي على الغلاء الطاحن.. مع رخص الناس.. و رخص الفن.. و انعدام القيم.. و تفاهة البضاعة.

إننا معاقبون يا سادة بهذا الضنك.. و تأملوا كلمات ربكم:

(( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا (124) )) [ طه ]

أليس عالم اليوم قد تلخص كله في هذه الكلمة البليغة.. (( الضنك )).. (( و الإعراض )) ؟! أليس العالم قد أعرض تماما عن كل ما هو رباني و غرق تماما في كل ما هو علماني و مادي و دنيوي و شهواني و عاجل و زائل.. و الكلام على مستوى العالم كله !

الكل متعجل يريد أن يغنم شيئا و أن يلهف شيئا.. لا أحد ينظر فيما بعد.. و لا فيما وراء..

الموت لا يخطر ببال أحد.. و ما بعد الموت خرافة.. و الجنة و النار أساطير.. و الحساب حدوتة عجائز.. و الذين يحملون الشعارات الدينية.. البعض منهم موتور و البعض مأجور.. و المخلص منهم لا يبرح سجادته و يمشي إلى جوار الحائط.. فهو ليس مع أحد.. و ليس لأحد.. و إنما هو مشدوه و منفصل عن الركب.. و مشفق من العاقبة.. و هو قد أغلق فمه و احتفظ بعذابه في داخله.. و اكتفى بالفرجة.

و الناس في ضنك.. و كل العالم: أغنياؤه و فقراؤه.. كلهم فقراء إلى الحقيقة.. فقراء إلى الحكمة.. فقراء إلى النبل.

و أكثر الأنظار متعلقة بالزائل و العاجل و الهالك.

و الدنيا ملهاة.

و هي سائرة إلى مجزرة. فالله في الماضي كان يوقظ خلقه بالرسل و الأنبياء.. و اليوم هو يوقظهم بالكوارث و الزلازل و الأعاصير و السيول.. فإذا لم تجد معهم تلك النذر شيئا ألقى بهم إلى المجازر و الحروب يأكل بعضهم بعضا و يفني بعضهم بعضا.

و حروب المستقبل حروب فناء تأكل الأخضر و اليابس و تدع المدن العامرة خرابا بلقعا.

و نحن على حافة الرعب و الصراع المفني. و ماذا يهم ؟! ماذا يهم ؟! فالمغنية تغني و تتلوى على المسرح.. في إيقاع أفعواني.. تحت بقعة الضوء.. و الألوف يرقصون كالأشباح في الصالة دون وعي..

ماذا تقول..

لا أحد يصغي إلى ما تقول.. و إنما الكل يصرخ و يصفق و يهتف و يتلوى كأفاع مسحورة.. و الطبول و الدفوف و الإيقاع الهمجي قد حول الكل إلى قطعان بدائية ترقص في شبه غيبوبة.

و لا تملك و أنت تستمع معهم إلا أن تفقد اتزانك و قدميك ثم تصبح جزءا من هذا اللاوعي المفتون.. و قد خيم على الجو إحساس الكهوف البدائية.

هل انتهت الحضارة فجأة.. و عدنا إلى كهوف الإنسان الأول ؟! هل تبخر العقل.. و لم تبق إلا غرائز تعوي و تتلوى على الطبول و الدفوف ؟! نعم.. يا سادة.. تلك هي نهاية علمانية اليوم.

و تلك هي احتفالية العالم بنهاية الإيمان.

احتفالية بالعقل الذي أسلم نفسه للهوى.

و الحكمة التي نزلت عن عرشها للغرائز و الإنسان الذي أسلم قياده للحيوان.

و ماذا يهم..؟!!!

لا شيء يهم...!!!

إننا نرقص اليوم للفجر.

و ليكن غدا ما يكون.

هكذا تعلمنا في سهرات (( الدش )) و إبداعات مادونا و جاكسون و فنون الموجة الشبابية الجديدة و برامج الأقمار و الفضائيات القادمة علينا من أمريكا و أوروبا.

و ذلك هو العصر العجيب الذي نعيش فيه..

أمريكا – القطب العملاق الذي يحكم العالم – تخصصت في صناعة الغيبوبة لشباب هذا العالم.. عن طريق أفلام الحب و العنف. و الرعب و أساطير الخيال العلمي و عن طريق الرحلات الفضائية و الصواريخ المنطلقة إلى القمر و المريخ و زحل و المشتري.. و عن طريق ترسانة كيميائية تنتج عقاقير الهلوسة و إكسير الشباب و الفياجرا و من أمريكا خرجت أكذوبة الميلاتونين.

و من أمريكا خرج الديسكو و الجاز و نوادي الشواذ.. و من أمريكا انتشرت صناعة الغيبوبة لتصبح صناعة مقررة في أكثر الحكومات و سلاحا مشروعا تحارب به الأزمات و تشغل به الشعوب عن متاعبها.

سلاح اسمه (( الهروب اللذيذ )).. على أنغام الموسيقى و الديسكو و على رقصات المادونا.

و لا أحد يكره أن يهرب من مشاكله في ساعة لذة و إغماء غيبوبة بل كل مراهق يحلم بهذا الهروب اللذيذ و يسعى إليه.

و هذه الفكرة الإبليسية هي التي يدير بها الكبار العالم.

و حرب الخليج كانت هي (( النهب اللذيذ )) لبترول الخليج و ثرواته.. و لكن الاسم المعلن لهذا النهب كان شعارات مبهرة عن تحرير الشعوب و نجدة الضعفاء و نصرة الديمقراطية و إعادة الشرعية.. الخ.. الخ.. إلى آخر الأسماء الجذابة الخلابة التي تدير الرؤوس و تسكر النفوس.

و الإعلام هو دائما الأداة الإبليسية لهذا النهب اللذيذ.. و الاستعمار اللذيذ.. و الهروب اللذيذ..

(( ن و القلم و ما يسطرون ))...

و ما أعجب ما يصنع القلم.. و ما أعجب ما يسطر ذلك القلم الذي يميت و يحيي، و يسحر و يفتن، و يوقظ و ينيم، و يبني و يخرب، و يهدي و يضل.

و هناك الآن أقلام عظيمة تجيد صناعة هذا (( التيه )).

و مؤسسات عالمية تصنع للشعوب الدوار.. و تتفنن في تسمية الأشياء بغير أسمائها.. و تسبغ هالات المجد على تفاهات.. و تروج للجريمة و الشذوذ و فنون الغيبوبة.

و أصبح من لزوميات هذا العصر أن يكون في أذن كل مستمع (( فلتر )) لكشف الزيف في الكلمات و المرائي و المشاهد.. خاصة في المشاهد العسل.. و الكلمات العسل.. و الوعود العسل.. التي يقصد بها النوم في العسل..

و إذا فتحت ال C. N. N أو أي محطة اجعل هدفك هو البحث فيما وراء ما تسمع.. البحث فيما وراء المقاصد.. و فيما وراء الأهداف من كل كلمة و كل خبر و لا تحسن الظن.. فإن سوء الظن الآن هو من حسن الفطنه
Copyright © WHatsapp ABKAL