الماسونية والمسجد الأقصى




الماسونية حركة سرية، وتُعرِّف نفسها على أنها حركة روحية تدعو إلى (تقدم البشرية)، كتب عنها الكثير، ونُشر من وثائقها وخفاياها ما جعلها في مقدمة أخطر المنظمات والحركات السرية المتنفذة في العالم أجمع، نشأت في بريطانيا خلال القرن السادس عشر، وأنشئ أول محفل لها عام 1717م.
 
والجماعة الماسونية يطلق عليها بالعربية (البناءون الأحرار)، والمشتهرة أيضًا بتسمية (القوة الخفية) و(البناة الصادقون) أو (البناءون الصادقون). وهناك الكثير من الأقوال حول تسمية الماسونية، فهي تعني هندسة باللغة الإنجليزية، ويعتقد البعض أن في هذا رمزًا إلى مهندس الكون الأعظم، ومنهم من ينسبهم إلى حيرام آبي المعماري الذي يزعمون أنه أشرف على بناء هيكل سليمان، ومنهم من ينسبهم إلى فرسان حراس المعبد الذين شاركوا في الحروب الصليبية، وهناك نظريات تربطهم بحكماء صهيون.

وهناك الكثير من الغموض حول رموز الماسونية وطقوسها وتعاملاتها، وفي السنوات الأخيرة أدرك قادة الماسونية أن كل هذا الغموض ليس في صالح الماسونية, فقامت الحركة بدعوة الصحافة والتلفاز إلى الاطلاع على بعض الأمور المُتخفية، وتصوير بعض الجلسات، ولكن لم يُسمح لوسائل الإعلام بتصوير جلسات اعتماد الأعضاء ومشاهدتها. ولا شك أنهم لن يسمحوا إلا بما هو قابل للنشر. 

واستنادًا إلى الماسونيين، فالطقوس المستعملة التي يصفها بعضهم بالمرعبة ما هي إلا رموز استعملها البناءون الأوائل في القرون الوسطى ولها علاقة بفن العمارة والهندسة، وتعد الزاوية القائمة والفرجار من أهم رموز الماسونية، وهذا الرمز موجود في جميع مقرات الماسونية إلى جانب الكتاب المقدس الذي يتبعه ذلك المقر. وعند اعتماد عضو جديد يُعطى له الحق في اختيار أي كتاب سماوي يعدُّه ذلك الشخص مقدسًا. ويستخدم الماسونيون بعض الإشارات السرية ليتعرف بواسطتها عضو في المنظمة على عضو آخر، وتختلف هذه الإشارات من مقر إلى آخر.

وظهرت بعد ذلك (الروتارية الدولية) وهي منظمة ماسونية تضم وجوهًا اجتماعية من مختلف الاختصاصات والمجالات التجارية، ولها أندية في أنحاء العالم المختلفة، وقد أسس المحامي (بول هاريس) أول نادٍ للروتاري في مدينة شيكاغو الأمريكية عام 1905م، وبعد ثلاث سنوات انضم إليه رجل يدعى (شيرلي بري) الذي وسَّع الحركة بسرعة هائلة، وظل سكرتيرًا للمنظمة إلى أن استقال منها في سنة 1942م، وتوفي بول هاريس (المؤسس) سنة 1947م، بعد أن امتدت الحركة إلى أكثر من 150 دولة، وأصبح لها 22 ألف نادٍ تضم أكثر من مليون عضو.

وانتقلت الحركة إلى دبلن بأيرلندا سنة 1911م، ثم انتشرت في بريطانيا بفضل نشاط شخص اسمه (مستر مورو) الذي كان يتقاضى عمولة عن كل عضو جديد. وتأسس نادٍ في فلسطين سنة 1921م عندما كانت دولة اليهود حلمًا صهيونيًّا، وكان هذا الفرع أسبق الفروع في المنطقة العربية. وتم إنشاء أول محفل ماسوني في القدس عام 1868م.
ثم ظهرت أندية الليونز الدولية، وتُعَدُّ أكبر منظمة لأندية الخدمات في العالم، حيث يندرج تحتها أكثر من 39 ألف نادٍ بها أكثر من 15 مليون عضو في حوالي 165 دولة وإقليم. وتأسست في شيكاغو عام 1917م، وتصدر مجلة الليونز باللغة الإنجليزية و18 لغةً أخرى، وتعقد مؤتمرًا دوليًّا مرةً كل عام.

الماسونية واليهودية:

 

علاقة الماسونية باليهودية علاقة متداخلة إلى حد كبير في العقائد والسياسات والمخططات، فأدبيات الماسونية وطقوسها ورموزها تتوافق والدعوة لإحياء كل ما يمتّ إلى اليهودية بصلة، استنادًا لما في العهد القديم من دعاوى ووصايا.
ويعترف الماسونيون بأن اليهود هم شعب الله المختار، وتتطابق مساعيهم لبناء هيكل سُليمان، ويدعمون اليهود والصهاينة للوصول إلى جبل صهيون، وإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين باعتبارها -بزعمهم- أرض الميعاد.

ويقر الماسوني اللبناني (حنا أبو راشد) صاحب كتاب (دائرة معارف ماسونية) في جزئه الأول بعلاقة الماسونية باليهودية بقوله: "أما أن الماسونية يهودية فذلك مما لا شك فيه". وعن مركزية الهيكل في الفكر الماسوني كتب أيضًا الآتي: "بدأت الفكرة الماسونية -كالفكر منذ البدء- أسطورة من أساطير الحقيقة، والحقيقة بعثت الفكرة في هيكل سليمان، فاقترنت بالعمل، مهما كابر أرباب التاريخ".

وهذا واقع ملموس، فاليهود والماسون يعدون أنفسهم الأبناء الروحيين لبُناة هيكل سُليمان، وتفحص دساتير الماسون ونظمهم ورموزهم يدلُّك بما لا يرقى إليه الشك على يهودية الحركة الماسونية، بدءًا من وصف بناء هيكل سليمان الذي تسعى الماسونية لربط نشأتها به، ويؤسس الماسون محافلهم اليوم تذكيرًا لأتباعهم بضرورة العمل على إعادة بناء هذا الهيكل الذي يقوم مقامه المسجد الأقصى في القدس، هذا بالإضافة لاستخدامهم النجمة السداسية والكثير من الرموز مشتركة بينهم وبين اليهود؛ فالترابط ليس سرًّا يخفى بل هو واضح جلي.

الماسونية والهيكل المزعوم:

 

خطورة نشاط الماسونيين (البناءون الأحرار) تتمثل في أنهم يتخذون من النبي سليمان مثلاً أعلى ويرون في الهيكل -الذين يزعمون أن المسجد الأقصى بناه المسلمون على أنقاضه- نموذجًا يُحتذى به لكل بناء؛ لذا يؤيد أعضاء المحفل الماسوني إقامة الهيكل الثالث مكان المسجد الأقصى، وإن دعم الماسونيين للكيان الغاصب لأرض فلسطين كبيرٌ بل إن شعار دولة اليهود (ما يسمى بنجمة داود) مشتق من شعار الماسونيين. ومن ضمن الاكتشافات الأثرية للماسونيين اكتشاف مغارة سليمان التي ادّعوا أن حجارة الهيكل المزعوم قد قطعت من داخلها. هذا، وقام الماسونيون الأوائل بعقد اجتماعاتهم في هذه المغارة.

ولهذا كتب الكثير من المختصين عن مدى علاقة اليهودية بالماسونية، وخلصوا إلى أن التنظيم والتعاليم اليهودية هي التي اتُّخذت أساسًا لإنشاء المحفل الأكبر 1717م ووضع رسومه ورموزه، ولا تزال اليهودية العالمية هي القوة المحرِّكة الكامنة وراء الماسونية، والأساتذة الكبار الحقيقيون في المحافل الماسونية هم الممثلون للجمعيات اليهودية السرية، وإن التعاضد الواضح بين الماسونيين في العالم يُرجعِه المطلعون إلى كثرة عدد اليهود في الصفوف المتقدمة من الماسونية.

والماسونية ربطت الهيكل بنبي الله سليمان بن داود -عليهما السلام- وهو عندهم كما عند اليهود ملكًا وليس نبيًّا؛ لخداع اليهود وغير اليهود بسمو أهداف الماسونية.

وقد كشفت وترجمت العديد من الوثائق والرسائل من ملفات الماسونية، ومن أخطر الرسائل التي كشفت وترجمت، رسالة وجّهها الماسونيان (غرايدي تيري) وزميله (أودي مورفي)، العضوان في محفل (قدماء الماسونية الأحرار) إلى السيد (روحي الخطيب) أمين القدس، وقد عرضوا باسم الماسونية شراء الأرض التي يقوم عليها المسجد الأقصى. جاء فيها: "... أنتم تدركون أن هيكل سليمان كان المحفل الماسوني الأصلي، والملك سليمان كان رئيس هذا المحفل، لكن الهيكل دمر عام 70 بعد المسيح. إنني أعرف أن مسجدكم هو صاحب الهيكل ومالكه القانوني، وأنه أقيم في المكان ذاته إلى جانب الصخرة التي قدّم عليها أبونا إبراهيم ابنه إسحاق قربانًا للرب، وإنني أعرف أيضًا أنكم، أنتم العرب، أبناء إسماعيل قد حميتم هذه الصخرة عبر القرون، فلنقدم الشكر إلى الرب".

"وإنني بوصفي مسيحيًّا وعضوًا في الحركة الماسونية، أرأس جماعة في أمريكا يحبون أن يعيدوا بناء هيكل سليمان من جديد. هذا هو اقتراحنا، إذا أعطى جامع عمر الإذن لمؤسستي فسوف نجمع 200 مليون دولار في أمريكا لهذه الغاية، أو المبلغ اللازم لإعادة بناء الهيكل. إن مسجدكم لن يفقد السيطرة على الهيكل أبدًا، وعندما ينتهي بناء الهيكل سيكرّس للرب، للملك سليمان، وللحركة الماسونية في العالم وسيعطى لكم مجانًا. وإلى ذلك، وبإذن من مؤسستكم سيمنح كل أخ ماسوني أسهَمَ في إعادة البناء عضوية في المحفل الماسوني الأول لهيكل سليمان في مدينة القدس، وأستطيع أن أؤكد لكم أن مؤسستكم إذا تعاونت معنا في إعادة بناء الهيكل، فسوف تصبح أغنى مؤسسة دينية على الأرض".

"إذا أبديتم اهتمامًا بهذا العرض، فسنزوِّدكم بالمال لتصرفوه في بناء الهيكل.. وسأقوم بتصوير فيلم سينمائي خلال إقامتي في الأرض المقدسة؛ ليعرض في المحافل الماسونية (فيلم ديني عن الأب إبراهيم وإسماعيل ويعقوب، يصل حتى بناء المعبد) مع قصة ولادة المسيح حتى موته على الصليب".

"سادتي، آمل أن تأخذوا هذه القضية بعين الاعتبار وتبحثوها مع أعضاء مجلس إدارتكم قبل أن أصل إلى المدينة المقدسة، وآمل أن يمنحني أعضاء مجلس إدارة مجلس عمر الشرف العظيم لأخاطبهم شخصيًّا أثناء إقامتي القصيرة في المدينة، وليبارككم الله جميعًا أيها الإخوة".

بإخلاص (غرايدي تيري)، 514، (إيست هاردفورد رود، بيدبانك، كاليفورنيا)، القطاع 91501.
محتوى الرسالة السابقة يدل على الالتقاء الكامل بين اليهودية والصهيونية والماسونية، ويؤكد أن بناء الهكيل -المزعوم- على أنقاض المسجد الأقصى كان -وما زال- في مقدمة أهداف الماسونية.

النشاط الماسوني في القدس:

 

فلسطين والقدس كانتا -وما زالتا- هدفًا ماسونيًّا، وكان أول محفل ماسوني في العالم المحفل الإنجليزي، الذي كان اسمه محفل (أورشليم)، ثم قلبوه بعد ذلك إلى المحفل الإنجليزي.

ومما تكشف مؤخرًا وجود نشاط للماسونية العالمية في مجمع مسجد النبي داود الذي تحول الطابق السفلي منه إلى كنيس، والطابق العلوي إلى كنيسة، حيث تحول المجمع الذي يضم المسجد والعديد من الغرف الملاصقة، وتكشف الأمر عندما لاحظ شخص من الهيئة الشعبية المقدسية وجود شعار الماسونية مكررًا على الجدران والسلالم؛ الأمر الذي أقره أحد العاملين اليهود في المكان قائلاً بأن الماسونيين كانوا في المكان قبل 400 سنة في عهد الأتراك، على حد زعمه.

وتأكيدًا لنشاطهم في فلسطين والقدس على وجه الخصوص، نقلت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية عن مصادر أمريكية قولها: إن الجماعات اليهودية الماسونية المتطرفة، التي تعمل بشكل سري داخل الولايات المتحدة، تدفع بشدة نحو الإسراع في هدم المسجد الأقصى، وقد تعرضت هذه الجماعات مؤخرًا لاختراق من قبل أمريكيين. وأدى هذا الاختراق -بحسب الصحيفة- إلى تسريب ما زعموا أنها أسرار "ختم سليمان" وفك شفرات رموزهم الدينية من قبل الروائي الأمريكي (دان براونز) في روايته الجديدة التي أطلق عليها تسمية (الرمز المفقود).

وفي سبتمبر عام 1995م تم إنشاء (غرفة القدس الماسونية) في جوار المسجد الأقصى، وهي منظمة يهودية ماسونية، وقد أمر بإنشائها رئيس المحفل الماسوني الإيطالي (جيوليا دي بيرناردو)؛ لتنفيذ مشروع ما أسموه (جبل المعبد)، وخلال حفل الافتتاح أعلن (دي بيرناردو) أن إعادة بناء الهيكل هي جوهر دراستنا، وفي كتابه (بناء المعبد) الذي كتبه (بيرناردو) وأصدره في يونيو 1996م ركز على العلاقة بين الكابالا اليهودية وإعادة بناء الهيكل.

لله در المسجد الأقصى!! فلا أظن أن هناك مسجدًا أو معبدًا أو مبنى على وجه الأرض اجتمعت على هدمه والكيد لتاريخه ومكانته كل تلك الحركات السرية والفرق الباطنية والملل الأخرى كما هو المسجد الأقصى في القدس؛ ففرقة تزعم أن المسجد الأقصى ليس هو مسجد القدس بل هو مسجد في السماء!! وأخرى تدعي أن المسجد الأقصى هو مسجد قاديان في الهند!! وبهائية تقول: إن المعبد الأقصى هو الموجود في جبل الكرمل في مدينة عكا القديمة!! وماسونية تعمل على هدمه، ويهود يحفرون تحته، ويشيدون الكنس فيه وما حوله، وصهيونية تجند عشرات الجماعات والجمعيات للعمل على تشييد الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، ونصارى بروتستانت (النصرانية المتصهينة) لن تتحقق نبوءاتهم وآمالهم بخروج مخلِّصهم إلا بـ"هدم المسجد الأقصى" وإقامة معبد اليهود. 

ودخل على خطِّ ذلك الحقد الدفين على المسجد الأقصى العلمانيون الجدد، الذين سوقوا للمحتل الصهيوني وبرروا له كل ممارساته، وجعلوا الحفريات وإقامة الكنس أسفل وحول المسجد الأقصى شأنًا داخليًّا لا ينبغي أن تلتفت إليه الأنظار!!
وما ذاك إلا لمكانته في الشريعة الإسلامية وعند المسلمين الذين دافعوا عنه وأحيوه بحلقات العلم والعلماء، ومهما بذل كل هؤلاء من جهد فسيبقى المسجد الأقصى مسجدًا من المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا لها.
Copyright © WHatsapp ABKAL